محمد أبو زهرة

1595

زهرة التفاسير

الكريم بذلك في قوله سبحانه : وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ . . . ( 9 ) [ النساء ] . ولقد روى ابن عباس أنه قال : كان أهل الجاهلية لا يورثون البنات ولا الصغار الذكور حتى يدركوا ، فمات رجل من الأنصار يقال له أوس بن ثابت وترك ابنتين وابنا صغيرا ، فجاء ابنا عمه - وهما عصبته - فأخذا ميراثه كله ، فأتت امرأته رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وذكرت ذلك ، فنزل قوله تعالى : لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ « 1 » . وقد ذكر سبحانه الحق مرتين ، فذكره أولا للرجال فقال : لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ ثم ذكره ثانيا للنساء فقال : وَلِلنِّساءِ وذلك ليؤكد حقهم ، وليبين أنه حق مستقل عن حق الرجل ، ثبت لها استقلالا بالقرابة ، كما ثبت له استقلالا بالقرابة ، حتى لا يتوهم أحد أن حقها تابع لحقه بأي نوع من أنواع التبعية ، ثم أكد سبحانه الحق بقوله : مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً هذا تأكيد لحق النساء في التركة ، وقد أكده مرتين - أولاهما - أنه يجب في كل تركة قليلة أو كثيرة فليس حقها تسامحا يعطى ، ولكنه حق ثابت ، لا يقدّم حق للرجل ، ويؤخر حق المرأة ، بل يثبتان معا في القليل والكثير ، ولا تسامح في القليل - ثانيهما قوله : نَصِيباً مَفْرُوضاً وهي منصوبة على الاختصاص ، والاختصاص يفيد العناية أي قدرا عناه الله تعالى وقصده مَفْرُوضاً أي مقطوعا لا سبيل إلى الهوادة فيه ، والاكتفاء ببعضه نزرا يسيرا ، أو مقدارا كبيرا ، فلا بد من إعطائه كاملا غير منقوص . وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفاً هذا النص الكريم ورد في الأقارب الذين لا ميراث لهم كما قال أكثر المفسرين ، ولكن القارئ للنص يرى أنه أوسع شمولا ؛ لأنه يشمل المساكين واليتامى بإطلاق ، وإن لم يكونوا أولى قربى ، والمساكين هم الفقراء الذين أسكنتهم الحاجة

--> ( 1 ) أورده السيوطي في الدر المنثور ج 2 ، ص 437 وقال : أخرج أبو الشيخ عن ابن عباس قال : كان أهل الجاهلية لا يورثون البنات ، ولا الصغار الذكور حتى يدركوا .